فصل: باب المرتد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


باب المرتد

باب ‏(‏ المرتد ‏)‏ هو في اللغة الراجع مطلقا وفي الشرع هو الراجع عن دين الإسلام وركن الردة إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الإيمان وشرائط صحتها العقل والطوع ‏(‏ من ارتد و ‏)‏ نعوذ ‏(‏ العياذ بالله تعالى ‏)‏ فهي مفعول مطلق مكسور العين ‏(‏ يعرض ‏)‏ أي عرض الإمام والقاضي كل يوم من أيام التأجيل لرجاء العود إليه ‏(‏ عليه ‏)‏ أي المرتد ‏(‏ الإسلام ‏)‏ وإن تكرر منه ذلك استحبابا إلا أنه إذا ارتد ثانيا العياذ بالله تعالى ثم تاب ضربه الإمام ثم خلى سبيله وإن ارتد ثالثا حبسه بعد الضرب الموجع حتى يظهر عليه التوبة ويرى أنه مسلم مخلص ثم خلى سبيله فإن عاد فعله به هكذا ويقتل إلا أن يأبى أن يسلم وهذا قول أصحابنا جميعا وروي عن علي وابن عمر رضي الله عنهم أنه لا تقبل توبته بعد الثلاثة لأنه مستحق ومستهزئ ليس بتائب ‏(‏ وتكشف شبهته ‏)‏ التي عرضت في الإسلام ‏(‏ إن كانت ‏)‏ أي إن وجدت له شبهة ‏(‏ فإن استمهل ‏)‏ أي طلب المهل بعد العرض للتفكر ‏(‏ حبس ثلاثة أيام ‏)‏ لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار وفيه إشارة إلى أنه إذا لم يستمهل لا يمهل في ظاهر الرواية بل يقتل من ساعته إلا إذا كان الإمام يرجو إسلامه ‏.‏ وعن الشيخين يستحب أن يمهل بلا استمهال لرجاء الإسلام ‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام ‏"‏لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يقتل ما بين المشرق والمغرب‏"‏ كما في القهستاني ‏.‏ وقال الشافعي الإمهال واجب ولا يحل للإمام أن يقتل قبل أن تمضي عليه ثلاثة أيام والحر والعبد فيه سيان ‏(‏ فإن تاب ‏)‏ بعد الإتيان بكلمة الشهادة فبها ونعمت ‏(‏ وإلا ‏)‏ أي وإن لم يتب ‏(‏ قتل ‏)‏ وجوبا لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏من بدل دينه فاقتلوه‏"‏ ‏(‏ وتوبته بالتبرؤ ‏)‏ بعد الإتيان بالشهادتين ‏(‏ عن كل دين سوى الإسلام أو ‏)‏ بالتبري ‏(‏ عما انتقل إليه ‏)‏ لحصول المقصود والأول هو الأولى لأن المرتد لا دين له وفيه إشعار بأنه لو قال الكافر لا إله إلا الله محمد رسول الله لصار مسلما ولا يشترط أن يعلم معنى هاتين الكلمتين إذا علم أنه كلمة الإسلام ويشترط معرفة اسمه عليه الصلاة والسلام دون معرفة أبيه وجده كما في القهستاني ‏.‏

بيع المرتد وشراؤه

‏(‏ ويوقف بيعه وشراؤه وإجارته وهبته ورهنه وعتقه وتدبيره وكتابته ووصيته ‏)‏ وفسر وقوفها بقوله ‏(‏ فإن أسلم ‏)‏ ورجع عن ارتداده ‏(‏ صحت ‏)‏ هذه العقود والتصرفات ‏.‏ ‏(‏ وإن مات أو قتل أو حكم بلحاقه بطلت ‏)‏ وهذا عند الإمام بناء على أن الأصل عنده أن الردة تزيل الملك فلذا قال ‏(‏ وقالا لا يزول ملكه ‏)‏ أي المرتد ‏(‏ عن ماله ‏)‏ لأن أثر الردة في إباحة دمه لا في زوال ملكه كالمقضي عليه بالرجم والقود وله أن المرتد زالت عصمة نفسه بالردة فكذا عصمة ماله لأنها تابعة للنفس غير أنه لما كان مدعوا إلى الإسلام بالإجبار عليه ويرجى عوده إليه لوقوفه على محاسنه توقفا في أمره ‏(‏ وتقضى ديونه مطلقا ‏)‏ أي حال الإسلام أو في الردة ‏(‏ من كلا كسبيه ‏)‏ أي من كسبه في الإسلام وكسبه في الردة لثبوت الملك فيهما ‏(‏ وكلاهما ‏)‏ أي كلا كسبيه اللذين لم يتعلق بهما حق الدارين ‏(‏ لوارثه المسلم ‏)‏ لأن ملكه في الكسبين بعد الردة باق فينتقل بموته إلى ورثته ويستند إلى ما قبيل ردته أن الردة سبب الموت فيكون توريث المسلم من المسلم وللإمام أنه يمكن استناد التوريث في كسب الإسلام لوجوده قبل الردة ولا يمكن الاستناد في كسب الردة لعدم الكسب قبل الردة لكن بين الإمامين تفصيل في الخلاف فقال ‏(‏ ومحمد اعتبر كونه وارثا عند اللحاق ‏)‏ بدار الحرب لأنه السبب ‏(‏ وأبو يوسف عند الحكم به ‏)‏ أي باللحاق لأنه يصير ميتا بالقضاء وعن الإمام في رواية وهو قول زفر يعتبر توريثه يوم ارتد لأنه سبب الإرث ‏.‏

نكاح المرتد

‏(‏ ويبطل ‏)‏ اتفاقا ‏(‏ نكاحه ‏)‏ وهذه المسألة ذكرت في النكاح فلو اقتصر على أحدهما لكان أخصر ‏(‏ وذبيحته ‏)‏ وكذا صيده بالكلب والبازي والرمي وشهادته وإرثه لأنها تعتمد الملة ولا ملة له ‏(‏ وتتوقف ‏)‏ اتفاقا ‏(‏ مفاوضته ‏)‏ وكذا التصرف على ولده الصغير وماله وهذه المسألة مستدركة لأنها فهمت من قوله ولا يوقف غير المفاوضة ‏,‏ تأمل ‏.‏ ثم اعلم أن تصرفات المرتد أنواع نافذ اتفاقا كالاستيلاد والطلاق وباطل اتفاقا كالنكاح والذبيحة موقوف اتفاقا كالمفاوضة ومختلف في توقيفه وهو ما عدا المصنف فإنه موقوف عنده ونافذ عندهما ‏.‏

المرأة إذا ارتدت

‏(‏ والمرأة ‏)‏ إذا ارتدت ‏(‏ لا تقتل ‏)‏ عندنا حرة كانت أو أمة ‏(‏ بل تحبس ‏)‏ إن أبت ولو صغيرة فتطعم كل يوم لقمة وشربة وتمنع من سائر المنافع ‏(‏ حتى تتوب ‏)‏ أي تسلم أو تموت وعند الأئمة الثلاثة والليث والزهري والنخعي والأوزاعي ومكحول وحماد تقتل لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏من بدل دينه فاقتلوه‏"‏ وكلمة من تعم الرجال والنساء قالوا من طرف الحنفية المراد المحارب لأنه عليه الصلاة والسلام ‏"‏نهى عن قتل النساء غير محاربات‏"‏ وجزاء مجرد الكفر لا يقام في الدنيا لأنها دار الابتلاء وإنما تحبس لأنها ارتكبت جريمة عظيمة ‏(‏ تضرب كل ‏)‏ ثلاثة ‏(‏ أيام ‏)‏ مبالغة في الحمل على الإسلام وعن الإمام أن الحرة تخرج كل يوم وتضرب تسعة وثلاثين سوطا حتى تسلم أو تموت ‏(‏ والأمة ‏)‏ التي ارتدت ‏(‏ يجبرها ‏)‏ على الإسلام ‏(‏ مولاها ‏)‏ يعني إذا ارتدت الأمة تحبس في منزل المولى وتؤدب وتستخدم حتى تسلم لما فيه من الجمع بين الحقين الجبر والاستخدام بخلاف العبد المرتد لأنه لا فائدة في دفعه إليه لأنه يقتل ويستثنى من خدمتها عدم وطئها وقد صرح الإسبيجابي بأنه لا يطؤها كما في البحر ‏.‏ وفي الفتح ولا تسترق الحرة المرتدة ما دامت في دار الإسلام فإن لحقت بدار الحرب فحينئذ تسترق إذا سبيت وتجبر مع ذلك على الإسلام وبطلت عنها العدة ولزوجها أن يتزوج أختها وأربعا سواها من ساعته لانعدام العدة عليها كالميتة ولو ولدت في دارهم لأقل من ستة أشهر من وقت الردة يثبت من الزوج لكن يسترق الولد تبعا لها وتجبر على الإسلام وعن الإمام في النوادر تسترق في دار الإسلام أيضا ‏(‏ وينفذ جميع تصرفها ‏)‏ أي المرأة ‏(‏ في مالها ‏)‏ كالبيع والهبة وغيرهما لصحتها لعدم قتلها هذا إن أسلمت في دارنا وإلا فإن ماتت أو لحقت بدارهم فالتصرف باطل عنده صحيح عندهما كما في القهستاني ‏(‏ وجميع كسبها ‏)‏ أي كسب المرتدة في الإسلام أو في الردة ‏(‏ لوارثها المسلم إذا ماتت ‏)‏ أو لحقت بدار الحرب لأنه لا حراب منا فلم يوجد سبب الفيء ‏(‏ ويرثها زوجها ‏)‏ أي يرث الزوج المسلم من المرتدة ‏(‏ إن ارتدت مريضة ‏)‏ وماتت قبل انقضاء العدة استحسانا لأنها قصدت إبطال حقه فيرد عليها قصدها كما قصدها في جانب الزوج والقياس أن لا يرثها وهو قول زفر ‏(‏ إلا إن ارتدت صحيحة ‏)‏ فلا يرثها زوجها لأن الزوجية قد انقطعت بالارتداد وهي لا تقتل فلم يتعلق حقه بمالها ‏(‏ وقاتلها ‏)‏ أي قاتل المرتدة ‏(‏ يعزر فقط ‏)‏ أي لا يجب عليه شيء من القود والدية للشبهة لكن يؤدب ويعزر إذا كانت في دارنا لكونه فضوليا فيما فعله ‏(‏ وسائر أحكامها ‏)‏ أي المرتدة ‏(‏ كالرجل ‏)‏ المرتد فيما ذكر ‏.‏

الصبي العاقل إذا ارتد

‏(‏ ويجبر ‏)‏ الصبي العاقل إذا ارتد ‏(‏ على الإسلام ‏)‏ لما فيه نفع له ‏(‏ ولا يقتل إن أبى ‏)‏ لوجود الشبهة في صحة ردته ولم يذكر المصنف ألفاظا تكون إسلاما أو كفرا أو خطأ مع أنها من المهمات الدينية فذكرناها في آخر باب المرتد للمناسبة فما يكون كفرا بالاتفاق يوجب إحباط العمل كما في المرتد وتلزم إعادة الحج إن كان قد حج ويكون وطؤه حينئذ مع امرأته زنا والولد الحاصل منه في هذه الحالة ولد الزنا ثم إن أتى بكلمة الشهادة على وجه العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قاله لأنه بالإتيان بكلمة الشهادة لا يرتفع الكفر وما كان في كونه كفرا اختلاف يؤمر قائله بتجديد النكاح وبالتوبة والرجوع عن ذلك احتياطا وما كان خطأ من الألفاظ لا يوجب الكفر فقائله مؤمن على حاله ولا يؤمر بتجديد النكاح ولكن يؤمر بالاستغفار والرجوع عن ذلك ‏,‏ هذا إذا تكلم الزوج فإن تكلمت الزوجة ففيه اختلاف في إفساد النكاح وعامة علماء بخارى على إفساده لكن يجبر على النكاح ولو بدينار وهذا بغير الطلاق ‏.‏

ألفاظ الكفر أنواع

‏(‏ ثم إن ألفاظ الكفر أنواع ‏)‏ ‏(‏ الأول فيما يتعلق بالله تعالى ‏)‏ إذا وصف الله تعالى بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره أو أنكر صفة من صفات الله تعالى أو أنكر وعده أو وعيده أو جعل له شريكا أو ولدا أو زوجة أو نسبه إلى الجهل أو العجز أو النقص أو أطلق على المخلوق من الأسماء المختصة بالخالق نحو القدوس والقيوم والرحمن وغيرها يكفر ويكفر بقوله لو أمرني الله تعالى بكذا لم أفعل ‏.‏

باب البغاة

أي في بيان أحكام البغاة جمع الباغي من البغي وهو التجاوز عن الحد ‏.‏ وفي الفتح البغي في اللغة الطلب تقول بغيت كذا أي طلبته قال الله تعالى حكاية ‏{‏ ذلك ما كنا نبغ ‏}‏ ثم اشتهر في العرف في طلب ما لا يحل من الجور والظلم ‏.‏ وفي التنوير هو في عرف الفقهاء هم الخارجون على الإمام الحق بغير حق والإمام يصير إماما بالمبايعة معه من الأشراف والأعيان وبأن ينفذ حكمه في رعيته خوفا من قهره وجبروته فإن بايع الناس ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه عن قهرهم لا يصير إماما فإذا صار إماما فاجرا لا ينعزل إن كان له قهرا وغلبة وإلا ينعزل ‏(‏ إذا خرج قوم مسلمون عن طاعة الإمام ‏)‏ أي الخليفة العدل لا عن أمير ظلم بهم فلو خرجوا عليه لظلم ظلمهم فليسوا ببغاة كما في أكثر الكتب ‏(‏ وتغلبوا على بلد ‏)‏ ‏.‏ وفي القهستاني وفيه رمز إلى أنهم يكونون أهل بغي وإن كان منعة الإمام أقل من منعتهم لأن المنعة لا تظهر في حق الشارع وإلى أنه يشترط أن يكونوا ظانين أنهم على الحق والإمام على الباطل متمسكين بشبهة وإن كانت فاسدة بأنهم غير فاسقين بالاتفاق فإن لم يكن لهم شبهة فهم في حكم اللصوص وإلى أنه يشترط أن يكون الإمام والقوم مسلمين وأنهم مرتكبون للكبيرة فإن طاعة الإمام فرض وإلى أن الإمام لا يطاع في معصية بالنص والإجماع ‏(‏ دعاهم ‏)‏ الإمام ‏(‏ إلى العود ‏)‏ أي إلى طاعته وهذه الدعوة ليست بواجبة فإن أهل العدل لو قاتلوهم من غير دعوة إلى العود لم يكن عليهم شيء لأنهم علموا ما يقاتلوهم عليه فحاربهم كالمرتدين وأهل الحرب بعد بلوغ الدعوة ‏(‏ وكشف شبهتهم ‏)‏ التي استندوا إليها في خروجهم عن طاعته لأنه أهون الأمرين فإذا أجابوا إلى الطاعة تم المرام وإن قالوا فعلنا لظلمك فالإمام أزاله وإلا والناس لا يعينون الإمام والبغاة ‏(‏ وبدأهم ‏)‏ الإمام ‏(‏ بالقتال ‏)‏ أي قبل أن يبدءوا بالقتال ‏(‏ لو تحيزوا ‏)‏ أي اتخذوا حيزا أي مكانا ‏(‏ مجتمعين ‏)‏ في ذلك المكان على ما نقله الإمام خواهر زاده عن أصحابنا ‏(‏ وقيل ‏)‏ قائله القدوري ‏(‏ لا ‏)‏ أي لا يبدأ بقتالهم ‏(‏ ما لم يبدءوا ‏)‏ أي البغاة بالقتال فإن بدءوه قاتلهم حتى يفرق جمعهم وهو قول الشافعي فإن قتل المسلم ابتداء لا يجوز ولنا أن الحكم يدور على الدليل وهو تعسكرهم واجتماعهم فإن صبر الإمام إلى بدئهم ربما لا يمكن دفع شرهم وهو المذهب ‏.‏ وفي القهستاني وجب كسر منعتهم بلا سلاح إن أمكن وإلا فلا بأس بالقتال بالسلاح ‏,‏ وفي الكشف إن لم يعزموا على الخروج لا يتعرض لهم بالقتل والحبس وإلا يجب على كل من كان له قوة القتال أن يقاتلهم مع الإمام ‏.‏

كتاب اللقيط

كتاب ‏(‏ اللقيط ‏)‏ لما كان في الالتقاط دفع الهلاك عن نفس اللقيط ذكره عقيب السير الذي فيه دفع الهلاك عن نفس عامة المسلمين وقدم اللقيط على اللقطة لتعلقه بالنفس ‏.‏ وهو في اللغة ما يلقط أي يرفع من الأرض فعيل بمعنى مفعول ثم غلب على الصبي المنبوذ لأنه بصدد أن يلقط ‏.‏ وفي الاصطلاح اسم لمولود حي طرحه أهله خوفا من العيلة أو التهمة سمي به باعتبار ما يئول إليه وهو من باب وصف الشيء بالصفة المشارفة كقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏من قتل قتيلا فله سلبه‏"‏ وشرط في المستصفى أن لا يعرف نسبه ‏(‏ التقاطه ‏)‏ أي أخذ اللقيط ‏(‏ مندوب ‏)‏ من تركه إن لم يخف هلاكه بأن كان في مصر لما فيه من أرحم ‏.‏ ‏(‏ وإن خيف هلاكه ‏)‏ بأن كان في مفازة ونحوها من المهالك ‏(‏ فواجب ‏)‏ صيانة له ودفعا للهلاك كمن رأى أعمى يقع في بئر ونحوها يجب عليه حفظه عن الوقوع وعند الأئمة الثلاثة فرض عين ‏.‏ ‏(‏ وكذا اللقطة ‏)‏ يعني التقاطها مع الإشهاد واجب إن خيف هلاكها ومندوب إن لم يخف وأمن نفسه عليها وقال بعض التابعين يحل رفعها وتركها أفضل ‏.‏

‏(‏ ونفقته ‏)‏ وكذا الكسوة والسكنى ‏(‏ في بيت المال ‏)‏ إذا لم يوجد له مال هكذا روي عن عمر وعلي ‏.‏ ‏(‏ وكذا جنايته ‏)‏ في بيت المال ‏(‏ وإرثه له ‏)‏ أي بيت المال لأن الغرم بالغنم ‏.‏ ‏(‏ وإن أنفق عليه الملتقط فهو متبرع ‏)‏ لا يكون دينا عليه لعدم ولايته ‏(‏ إلا أن يأذن الحاكم ‏)‏ بإنفاقه عليه ‏(‏ بشرط الرجوع ‏)‏ فحينئذ يكون دينا على اللقيط لعموم الولاية فيرجع الملتقط عليه إذا كبر وأما إذا مات في صغره يرجع على بيت المال ‏.‏ وقال الطحاوي إن مجرد الأمر بالإنفاق يكفي للرجوع والأصح ما في المتن لأن مطلق الأمر يحتمل الحسبة والاستدانة فلا يرجع عليه بالشك ‏(‏ أو يصدقه اللقيط إذا بلغ ‏)‏ يعني إذا لم يأمر القاضي بإنفاقه فصدقه اللقيط بعد البلوغ في أنه أنفقه للرجوع فله الرجوع لأنه أقر بحقه كما في شرح المجمع لابن ملك لكن في البحر خلافه فإنه قال وينبغي أن يكون معنى التصديق تصديقه أنه أنفق بأمر القاضي على أنه يرجع لا تصديقه على الإنفاق لأنه لو كان بلا أمر القاضي لا رجوع له فتصديقه وعدمه سواء وإن ادعى الملتقط الإنفاق بقول القاضي على أن يكون دينا عليه فكذبه اللقيط لا يرجع إلا ببينة بخلاف القاضي إذا أنفق على الصغير ‏.‏

كتاب اللقطة

كتاب اللقطة هي من الالتقاط وهو الرفع وهي بضم اللام وفتح القاف اسم للآخذ وبسكون القاف اسم للمال الملقوط كالضحكة بفتح الحاء اسم فاعل وبسكونها اسم مفعول وهذا عند الخليل ‏.‏ وعن الأصمعي وابن الأعرابي والفراء أنها بفتح القاف اسم للمال أيضا ‏.‏ وفي اصطلاح الفقهاء هي رفع شيء ضائع للحفظ على الغير لا للتمليك ‏(‏ هي ‏)‏ أي اللقطة ‏(‏ أمانة ‏)‏ بالاتفاق لا يضمنها الملتقط إلا بالتعدي والمنع بعد الطلب ‏(‏ إن أشهد ‏)‏ عند القدرة شاهدين ‏(‏ أنه أخذها ليردها على صاحبها ‏)‏ فلو وجدها في طريق أو غيره وليس فيه أحد أشهد عند الظفر به فإذا ظفر ولم يشهد ضمن إلا إذا ترك الإشهاد لخوف ظالم كما في زماننا هذا والقول قوله مع يمينه في كوني كذا منعني من الإشهاد ‏(‏ وإلا ‏)‏ أي وإن لم يشهد كذلك فهلكت ‏(‏ ضمن ‏)‏ عند الطرفين ولم يشترط أبو يوسف الإشهاد كما في أكثر الكتب وفي الينابيع ذكر في بعض الكتب قول محمد مع الإمام والأصح أنه مع أبي يوسف والأول الصحيح قيد بالإشهاد لأنه لو أقر أنه أخذها لنفسه يضمن اتفاقا ولأنه لو تصادقا على أنه أخذها ليردها لم يضمن اتفاقا ‏,‏ هذا إذا اتفقا أنه لقطة وإن اختلفا فقال صاحبها أخذتها غصبا وقال الملتقط لا بل أخذتها لقطة لك يضمن اتفاقا كما في أكثر الكتب وبه علم أن الإشهاد شرط عند الاختلاف وفيه إشارة إلى أن البالغ والصبي سواء في الضمان بترك الإشهاد فأشهد أبوه ووصيه وعرف لم يصدق ‏.‏

‏(‏ ولقطة الحل والحرم سواء ‏)‏ عندنا لأن النص الدال على مشروعية الالتقاط بشرط الإشهاد مطلق يتناول لقطتهما وعند الشافعي يجب تعريف لقطة الحرم إلى مجيء صاحبها ‏.‏

‏(‏ له ‏)‏ أي للملتقط ‏(‏ أن يحبسها ‏)‏ أي اللقطة ‏(‏ عنه ‏)‏ أي عن اللاقط ‏(‏ حتى يأخذه ‏)‏ أي يأخذ ما أنفقه كحبس المبيع لأجل الثمن ‏(‏ فإن امتنع ‏)‏ صاحبها عن أداء ما أنفقه ‏(‏ بيعت ‏)‏ اللقطة ‏(‏ في ‏)‏ حق ‏(‏ النفقة ‏)‏ كالرهن ‏(‏ فإن هلكت ‏)‏ أي العين في يد الملتقط ‏(‏ بعد الحبس سقط ‏)‏ الدين كالرهن ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ هلكت ‏(‏ قبله لا ‏)‏ أي لا يسقط هذا الدين لأنها أمانة ‏.‏

‏(‏ وللملتقط أن ينتفع باللقطة بعد التعريف لو ‏)‏ كان ‏(‏ فقيرا ‏)‏ لأن صرفه إلى فقير آخر كان للثواب وهو مثله ‏.‏ وفي الظهيرية لو باعها الفقير وأنفق الثمن على نفسه ثم صار غنيا يتصدق بمثله على المختار ‏(‏ وإن ‏)‏ كان الملتقط ‏(‏ غنيا تصدق بها ‏)‏ أي اللقطة على فقير بعد التعريف ولو بلا إذن الحاكم ويجوز للغني الانتفاع بإذنه على وجه القرض كما في أكثر المعتبرات لكن في الخانية خلافه في الصورتين تتبع ‏.‏

كتاب الآبق

كتاب الآبق وهو اسم فاعل من أبق إذا هرب من بابي نصر وضرب ‏.‏ وقال بعض الفضلاء الإباق انطلاق الرقيق تمردا ثم قال وإنما أطلقه ليشمل ما إذا تمرد عن غير مالكه انتهى لكن في الحقيقة هو تمرد عن المالك إذ ضرره يرجع إليه والأولى أن يقيد بعلى مولاه ‏,‏ تدبر ‏.‏ ‏(‏ ندب أخذه ‏)‏ أي الآبق ‏(‏ لمن قوي عليه ‏)‏ أي قدر على حفظه وضبطه بالإجماع لما فيه من إحياء حق المالك ‏,‏ هذا إذا لم يخف ضياعه أما إن خاف ضياعه فيفرض أخذه ويحرم أخذه لنفسه كما في التنوير ‏.‏ ‏(‏ وكذا ‏)‏ ‏(‏ الضال ‏)‏ وهو الذي لم يهتد إلى طريق منزله من غير قصد إحياء له لاحتمال الضياع ‏(‏ وقيل تركه ‏)‏ أي الضال ‏(‏ أفضل ‏)‏ لأنه لا يبرح مكانه فيلقاه مولاه وإن عرف الواجد بيت مولاه فالأولى أن يوصله إليه ‏(‏ ويرفعان ‏)‏ أي الآبق والضال ‏(‏ إلى الحاكم ‏)‏ لعجزه عن حفظهما ‏,‏ هذا اختيار السرخسي ‏.‏ وقال الحلواني هو بالخيار إن شاء حفظهما بنفسه وإن شاء رفعهما إلى الحاكم ‏(‏ فيحبس ‏)‏ الحاكم ‏(‏ الآبق ‏)‏ تعزيرا له ولئلا يأبق ثانيا ‏(‏ دون الضال ‏)‏ فلهذا يؤجر الضال وينفق عليه من غلته ولا يؤجر الآبق بل ينفق عليه من بيت المال دينا على مالكه وإذا طالت المدة يبيعه ويمسك ثمنه فإن جاء صاحبه وبرهن دفع الثمن إليه واستوثق بكفيل إن شاء لجواز أن يدعيه آخر وليس له نقض البيع لأن بيعه بأمر الشرع ولو زعم المدعي أنه دبره أو كاتبه لم يصدق في نقض البيع ‏.‏ وفي التنوير ويحلفه أي القاضي مدعيه مع البرهان بالله ما أخرجه عن ملكه بوجه ‏,‏ وإن لم يبرهن وأقر العبد أنه عبده أو ذكر المولى علامته دفع إليه لعدم المنازع بكفيل للاستيثاق وإن أنكر المولى إباقه خوفا من أخذ الجعل منه حلف بالله ما أبق ويدفع إليه ‏.‏ أبق عبده فجاء به رجل وقال لم أجد معه شيئا صدق ‏.‏

كتاب المفقود

كتاب المفقود من فقده يفقده فقدا أو فقدانا أو فقودا عدمه كما في القاموس ويقال فقدته إذا أضللته أو طلبته وكلاهما متحقق فإنه قد أضله أهله وهم في طلبه ‏.‏ وفي الشرع ‏(‏ هو ‏)‏ أي المفقود ‏(‏ غائب ‏)‏ أي بعيد عن أهله ولم يذكر الغائبة لأنه من الأحكام المشتركة ‏(‏ لا يدرى ‏)‏ أي لا يعلم ‏(‏ مكانه ولا حياته ولا موته ‏)‏ وفي البحر المدار إنما هو على الجهل بحياته وموته لا على الجهل بمكانه فإنهم جعلوا منه كما في المحيط المسلم الذي أسره العدو ولا يدرى أحي أم ميت مع أن مكانه معلوم انتهى ‏.‏ فعلى هذا قوله مكانه مستدرك تدبر ‏(‏ فينصب له القاضي من يحفظ ماله ويستوفي حقه ‏)‏ أي يقبض غلاته والدين الذي أقر به غرماؤه لأنه من باب الحفظ فلا يخاصم في الدين المجحود الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل لأن وكيل القاضي بالقبض ليس وكيل بالخصومة بالإجماع لكن لو قضى به نفذ وتمامه في البحر ‏(‏ مما ‏)‏ أي من شيء ‏(‏ لا وكيل له فيه ‏)‏ وأما فيما له فيه وكيل فيستوفيه الوكيل لأنه لا ينعزل بفقد موكله ‏(‏ ويبيع ‏)‏ منصوب القاضي ‏(‏ ما يخاف عليه ‏)‏ الهلاك ‏(‏ من ماله ‏)‏ كالعروض والثمار لأنه لما تعذر حفظه له بصورته كان النظر له في حفظه بمعناه وهو ثمنه قيد بما يخاف عليه لأن ما لا يخاف عليه ذلك لا يبيعه لا في النفقة ولا في غيرها إذ لا نظر في ذلك لأن القاضي نصب لمصالح المسلمين نظرا لمن عجز من التصرف بنفسه والمفقود عاجز بنفسه فكان النظر له في حفظه بصورته وقيل لو نقص عبده أو أرضه بمضي الأيام جاز بيعه وعن الوبري الأولى أن لا يبيع وعنه إن باع نفذ وعنه باع لدينه كما إذا علم كونه حيا غائبا منذ سنين بلا رجوع كما في القهستاني ‏.‏

كتاب الشركة

كتاب الشركة أوردها عقيب المفقود لتناسبهما بوجهين كون مال أحدهما أمانة في يد الآخر كما أن مال المفقود أمانة في يد الحاضر ‏,‏ وكون الاشتراك قد يتحقق في مال المفقود كما لو مات مورثه وله وارث آخر والمفقود حي ‏.‏ والشركة بإسكان الراء لغة ‏:‏ خلط النصيبين بحيث لا يتميز أحدهما ‏,‏ ويقال الشركة هي العقد نفسه لأنه سبب الخلط فإذا قيل شركة العقد بالإضافة فهي إضافة بيانية ‏.‏ وشرعا ‏:‏ هي عبارة عن عقد بين المتشاركين في الأصل والربح وشرعيتها بالسنة فإن النبي عليه الصلاة والسلام بعث والناس يباشرونها فقررهم عليها بإجماع الأمة والمعقول وهي أي الشركة طريق ابتغاء الفضل وهو مشروع بالكتاب وركنها في شركة العين اختلاطهما ‏.‏ وفي العقد اللفظ المفيد له كما سيأتي ‏.‏

الشركة ضربان

‏(‏ هي ‏)‏ أي الشركة ‏(‏ ضربان شركة ملك وشركة عقد فالأولى ‏)‏ أي شركة الملك ‏(‏ أن يملك اثنان ‏)‏ أو أكثر ‏(‏ عينا إرثا أو شراء أو اتهابا واستيلاء ‏)‏ أي أخذا بالقهر من مال الحربي ‏(‏ أو اختلط مالهما ‏)‏ بغير صنعهما معطوف على قوله يملك ‏(‏ بحيث لا يتميز ‏)‏ أحد المالين على الآخر أو يعسر تمييزه ‏(‏ أو خلطاه ‏)‏ بصنعهما خلطا يمتنع التميز كالبر مع البر أو يعسر كالبر مع الشعير ‏,‏ والحاصل أنها نوعان جبرية واختيارية فأشار إلى الجبرية بالإرث فإن من الجبرية الشركة في الحفظ كما إذا هبت الريح بثوب في دار بينهما فإنهما شريكان في الحفظ كما في القهستاني وإلى الاختيارية بشراء ومن الاختيارية أن يوصى لهما بمال فيقبلان فاقتصر على العين قال عينا فأخرج الدين فقيل إن الشركة فيه مجاز لأنه وصف شرعي لا يملك وقد يقال بل يملك شرعا وقد جازت هبته ممن عليه الدين وصحيح في الفتح فعلى هذا لو قال أن يملك متعدد لكان أشمل من الدين والشركة في الحفظ سواء كان المالك اثنين أو أكثر تدبر ‏.‏ ‏(‏ وكل منهما ‏)‏ أي كل واحد من الشريكين أو الشركاء شركة ملك ‏(‏ أجنبي في نصيب الآخر ‏)‏ حتى لا يجوز له التصرف فيه إلا بإذن الآخر كغير الشريك لعدم تضمنها الوكالة ‏.‏

ما يشترط في صحة الشركة وما لا يشترط

‏(‏ ولا يشترط ‏)‏ في صحة الشركة ‏(‏ تسليم المال ‏)‏ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في العقود ‏(‏ ولا ‏)‏ يشترط ‏(‏ خلطه ‏)‏ لأن المقصود الخلط في المشترى ‏,‏ وكل واحد منهما يشتري بما في يده بخلاف المضاربة لأنه لا بد من التسليم ليتمكن من الشراء ‏,‏ ويشترط حضور المال عند العقد أو عند الشراء لأن الشركة تتم بالشراء لأن الربح به يحصل كما في الاختيار ‏(‏ وما اشتراه كل ‏)‏ واحد ‏(‏ منهما سوى طعام أهله وكسوتهم فلها ‏)‏ عملا بعقد المفاوضة ‏,‏ وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف فكان شراء أحدهما كشرائهما ‏,‏ وأراد بالمستثنى ما كان من حوائجه كالسكنى والركوب لحاجته ‏,‏ وكذا الإدام والجارية التي يطؤها بإذن شريكه فليس الكل على الشركة لكن للبائع أن يطالب بثمن الطعام وغيره أيهما شاء المشتري بالأصالة ولصاحبه بالكفالة ويرجع الآخر بما أدى على المشتري بقدر حصته كما في البحر ‏(‏ وكل دين لزم أحدهما بما تصح فيه الشركة ‏)‏ من العقد ‏(‏ كبيع ‏)‏ سواء كان جائزا أو فاسدا ‏(‏ وشراء واستئجار لزم الآخر ‏)‏ تحقيقا للمساواة ولتضمنها الكفالة قيد بما تصح فيه الشركة لأن ما لا تصح فيه كالنكاح والخلع والنفقة والجناية والصلح عن دم عمد فإنه لا يضمن ما لزم الآخر لأنها ليست من التجارة ‏.‏ ‏(‏ وإن لزم ‏)‏ أحدهما دين ‏(‏ بكفالة بأمر لزم الآخر ‏)‏ يعني لو كفل أحد المفاوضين أجنبيا بمال بإذن المكفول عنه لزم صاحبه عند الإمام ‏(‏ خلافا لهما ‏)‏ لأن الكفالة تبرع حتى لا تصح ممن ليس بأهله ‏,‏ وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فيما يلزمه بالتجارة دون التبرع ولهذا لا تصح الهبة والصدقة والإقراض من أحدهما في حق شريكه فصارت كالكفالة بالنفس ‏,‏ وله أنها تبرع ابتداء ولكنها تنقلب مفاوضة بقاء لأنه يرجع بما يؤدي على المكفول عنه إذا كفل بأمره ‏,‏ وكلامنا في البقاء بخلاف الكفالة بالنفس لأنها تبرع ابتداء وبقاء ‏.‏

شركة العنان

‏(‏ وشركة عنان ‏)‏ معطوف على شركة مفاوضة بالكسر إما اسم من العن مصدر عن يعن بالضم والكسر أي ‏:‏ عرض ‏,‏ قال ابن السكيت كأنه عن لهما شيء فاشتركا فيه ‏,‏ أو من العن بمعنى الحبس فكأنه حبس بعض ماله عن الشركة أو حبس شريكه عن بعض التجارة ‏,‏ أو من عنان الدابة لأن الفارس يمسك العنان بإحدى يديه ويتصرف بالأخرى كيف شاء فكذا شريك العنان يشارك ببعض ماله ويتصرف في البقية كيف شاء وإما مصدر عانه أي عارضه فكأن كل واحد يعارض الآخر ‏(‏ وهي ‏)‏ أي شركة العنان ‏(‏ أن يشتركا متساويين ‏)‏ فيما ذكر أي في المفاوضة ‏(‏ أو غير متساويين ‏)‏ وفيه كلام لأنه إذا اشتركا متساويين في جميع ما ذكر في المفاوضة تكون شركة المفاوضة لا العنان إلا أن يقال أن يشتركا متساويين في جميع ما ذكر مع عدم الاشتراط أو أن يشتركا متساويين من وجه لكنه بعيد تدبر ‏(‏ وتتضمن ‏)‏ أي شركة العنان ‏(‏ الوكالة ‏)‏ لأن المقصود من الشركة وهو التصرف في مال الغير لا يكون إلا بها عند عدم الولاية ‏(‏ دون الكفالة ‏)‏ لأنها إنما تثبت في المفاوضة لضرورة المساواة والعنان لا يقتضيها ‏.‏

شركة الصنائع

‏(‏ وشركة الصنائع ‏)‏ معطوف على قوله وشركة العنان وهي جمع الصنيعة كالصحائف والصحيفة أو جمع صناعة كرسائل ورسالة فإن الصناعة كالصنيعة حرفة الصانع وعمله ولذا يقال شركة المحترفة ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ شركة ‏(‏ التقبل ‏)‏ من قبول أحدهما العمل وإلقائه على صاحبه ‏(‏ وهي ‏)‏ أي شركة الصنائع والتقبل ‏(‏ أن يشترك خياطان أو صباغ وخياط على أن يتقبلا الأعمال ‏)‏ أي محلها فإن العمل عرض لا يقبل القبول ‏(‏ ويكون الكسب بينهما ‏)‏ ‏.‏ وقال الشافعي لا تجوز هذه الشركة وهذه إحدى الروايتين عن زفر لأن الشركة في الربح تبتني على الشركة في رأس المال على أصلهما ولا مال لهما فكيف يتصور التمييز بدون الأصل ولنا أن المقصود تحصيل المال بالتوكيل وهذا مما يقبل التوكيل فيجوز ‏,‏ وفيه تنبيه على أن اتحاد العمل والمكان ليس بشرط خلافا لمالك وزفر فيهما لعجز كل منهما عن الصنعة التي يتقبلها شريكه ولنا أن صحة هذه الشركة باعتبار الوكالة والتوكيل بتقبل العمل صحيح والعمل ليس بلازم على الموكل فله أن يقيمه بأجرة ‏.‏

شركة الوجوه

‏(‏ وشركة الوجوه ‏)‏ أي شركة ابتذال الشركاء إذ لا مال لهم ولا علم ولذا يقال لها شركة المفاليس وفيه مجاز من وجوه كما في القهستاني أو لأن بناءها على وجاهتهما بين الناس وشهرتهما بحسن المعاملة إذا لا بد منه في الشراء نسيئة فسميت بها ‏(‏ وهي ‏)‏ أي شركة الوجوه ‏(‏ أن يشتركا ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ‏)‏ أي ليشتريا بلا نقد الثمن بسبب وجاهتهما وأمانتهما عند الناس ‏,‏ وصيغة الجمع على طريقة قوله تعالى ‏{‏ فقد صغت قلوبكما ‏}‏ ‏(‏ ويبيعا والربح بينهما ‏)‏ أي بايعان فما حصل بالبيع يدفعان منه ما وجب عليهما بالشراء وما فضل يكون بينهما وهذه الشركة لا تجوز عند الشافعي ومالك ‏(‏ فإن شرطاها مفاوضة ‏)‏ أي نصا على المفاوضة أو ذكرا جميع ما تقتضيه المفاوضة واجتمعت فيها شرائطها ‏(‏ صحت ‏)‏ فيترتب عليها أحكام المفاوضة فتتضمن الوكالة والكفالة ‏(‏ ومطلقها ‏)‏ أي مطلق هذه الشركة ‏(‏ عنان ‏)‏ لأنه المتعارف إلا أن تخصيص شركة الوجوه بذلك لا يخلو عن شيء والأحسن بيان هذا الحكم على وجه يتناول شركة الصنائع أيضا إذ هو يجري فيهما كما مر تدبر ‏(‏ وتتضمن ‏)‏ هذه الشركة عند الإطلاق ‏(‏ الوكالة ‏)‏ فقط ‏(‏ فيما يشتريانه ‏)‏ إذ لا يتمكن عليه إلا بالوكالة ‏.‏

فصل في الشركة الفاسدة

‏(‏ ولا تجوز الشركة فيما لا تصح الوكالة ‏)‏ به ‏(‏ كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاستقاء ‏)‏ وكذا في أخذ كل مباح كاجتناء الثمار من الجبال والبراري وأخذ الصيد والملح والسنبلة والكحل وجوهر المعادن والأحجار والأتربة والجص وغيرها من موضع يباح أخذه لأن الشركة تقتضي الوكالة والتوكيل إثبات التصرف لمن ليس له ولاية ذلك التصرف وذا لا يوجد في المباحات ‏(‏ وما جمعه كل واحد ‏)‏ بلا عمل من الآخر ولا إعانته ‏(‏ فله ‏)‏ لأنه أثر عمله ‏.‏ ‏(‏ وإن أعانه الآخر ‏)‏ بأن قلعه وجمعه أحدهما وحمله الآخر مثلا ‏(‏ فله ‏)‏ أي للمعين ‏(‏ أجر مثله لا يزاد ‏)‏ أجر المثل ‏(‏ على نصف ثمن المأخوذ عند أبي يوسف ‏)‏ لأنه رضي بنصف المأخوذ وهو المختار عند المصنف بناء على تقديمه ‏(‏ خلافا لمحمد ‏)‏ فإن عنده له أجر المثل بالغا ما بلغ وهو المختار عند البعض لأن المسمى مجهول والرضا بالمجهول لغو ‏(‏ وما أخذاه معا فلهما نصفين ‏)‏ لاستوائهما في الأخذ ‏,‏ وإن أخذاه منفردين وخلطاها وباعاها قسم الثمن بينهما على قدر ملكهما فإن لم يعرف قدر ملك كل منهما صدق كل على النصف مع اليمين وأقيم البينة على الزيادة كما في القهستاني ‏.‏

ما تبطل به الشركة

‏(‏ وتبطل الشركة بموت أحدهما ‏)‏ أي أحد الشريكين لتضمنها الوكالة وهي تبطل بالموت ‏,‏ وإطلاقه شامل لما إذا علم بموت صاحبه أو لم يعلم لأنه عزل حكمي فلا يشترط له العلم بخلاف ما إذا فسخ أحدهما الشركة ومال الشركة دراهم أو دنانير حيث يتوقف على علم الآخر لأنه عزل قصدي كما في الهداية ‏(‏ وبلحاقه ‏)‏ بدار الحرب ‏(‏ مرتدا إن حكم به ‏)‏ لأنه بمنزلة الموت إذا قضى القاضي بلحاقه فلو عاد مسلما لم تكن بينهما شركة ‏.‏ وفي التنوير وتبطل الشركة بإنكارها وبفسخ أحدهما وبجنونه مطبقا ‏.‏